القرطبي
424
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلكم يتضرعون ( 42 ) قوله تعالى : ( ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك ) الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ، وفيه إضمار ، أي أرسلنا إلى أمم من قبلك رسلا وفيه إضمار آخر يدل عليه الظاهر تقديره : فكذبوا فأخذناهم . وهذه الآية متصلة بما قبل اتصال الحال بحال قريبة منها ، وذلك أن هؤلاء سلكوا في مخالفة نبيهم مسلك من كان قبلهم في مخالفة أنبيائهم ، فكانوا بعرض أن ينزل بهم من البلاء ما نزل بمن كان قبلهم . ومعنى ( بالبأساء ) بالمصائب في الأموال ( والضراء ) في الأبدان ، هذا قول الأكثر ، وقد يوضع كل واحد منهما موضع الآخر ، ويؤدب الله عباده بالبأساء والضراء وبما شاء " لا يسأل عما يفعل " ( 1 ) [ الأنبياء : 23 ] . قال ابن عطية : استدل العباد في تأديب أنفسهم بالبأساء في تفريق الأموال ، والضراء في الحمل على الأبدان بالجوع والعري بهذه الآية . قلت : هذه جهالة ممن فعلها وجعل هذه الآية أصلا لها ، هذه عقوبة من الله لمن شاء من عباده أن يمتحنهم بها ، ولا يجوز لنا أن نمتحن أنفسنا ونكافئها قياسا عليها ، فإنها المطية التي نبلغ عليها دار الكرامة ، ونفوز بها من أهوال يوم القيامة ، وفى التنزيل : " يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا " ( 2 ) [ المؤمنون : 51 ] وقال : " يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم " ( 3 ) [ البقرة : 267 ] . " يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم " ( 4 ) [ البقرة : 172 ] فأمر المؤمنين بما خاطب به المرسلين ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يأكلون الطيبات ويلبسون أحسن الثياب ويتجملون بها ، وكذلك التابعون بعدهم إلى هلم جرا ، على ما تقدم بيانه في ( المائدة ) ( 5 ) وسيأتي في ( الأعراف ) ( 6 ) من حكم اللباس وغيره ، ولو كان كما زعموا واستدلوا لما كان في امتنان الله تعالى بالزروع والجنات وجميع الثمار والنبات والانعام التي سخرها وأباح لنا
--> ( 1 ) راجع ج 11 ص 278 . ( 2 ) راجع ج 12 ص 127 . ( 3 ) راجع ج 3 ص 320 . ( 4 ) راجع ج 2 ص 215 . ( 5 ) راجع ص 263 وما بعدها من هذا الجزء . ( 6 ) راجع ج 7 ص 195 .